المنهج والعقيدة
نصي

هل الأخذ بالأسباب ينافي التوكل على الله (تونس)

4 أكتوبر، 2026 · الشيخ الدكتور حسان سليم بليدي · وقت القراءة: دقيقة واحدة
السؤال

شيخنا الكريم، نفع الله بعلمكم. يقول بعض الناس: إن الرزق مكتوب، وإن الله هو الشافي، فلا حاجة إلى السعي في طلب الرزق أو الأخذ بأسباب العلاج، ويعدّون ترك ذلك من قوة التوكل. فهل هذا الفهم صحيح؟ وكيف يجمع المسلم بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب؟

الجواب

وفقكم الله، ورزقنا وإياكم صدق التوكل عليه.

هذا الفهم غير صحيح؛ فإن التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب، وإنما هو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة. فالعبد يسعى، وقلبه متعلق بربه، يعلم أن الأسباب لا تستقل بالتأثير، وأن حصول النفع إنما يكون بإذن الله.

قال الله تعالى:

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

وقال سبحانه:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].

فأمر بالسعي، وبيّن أن الرزق منه سبحانه. وكون الرزق مقدرًا لا يلغي العمل؛ فإن الله قدّر النتائج وقدّر لها أسبابًا، والعبد مأمور بفعل ما ينفعه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:

«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ».

رواه مسلم (٢٦٦٤). فقد جمع النبي ﷺ بين الحرص على النافع والاستعانة بالله، ونهى عن العجز. 

فالمسلم يجمع بين عمل الجوارح وتوكل القلب؛ يطلب الرزق الحلال، ويتعلم، ويتخذ أسباب حفظ نفسه وأهله، ولا يجعل التوكل حجةً للكسل أو لتضييع من تجب عليه نفقتهم.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا».

رواه الترمذي (٢٣٤٤)، وقال: «حديث حسن صحيح». ومعنى «خماصًا»: جائعة، و«بطانًا»: ممتلئة البطون.

وتأملوا أن الطير تغدو وتروح؛ فهي تخرج وتطلب رزقها، ولا تبقى في أعشاشها تنتظر الطعام. فالحديث يرشد إلى صدق الاعتماد على الله مع السعي.

وكذلك الأخذ بأسباب العلاج لا ينافي التوكل؛ فالمسلم يعلم أن الله هو الشافي، وأن العلاج سبب لا يعمل إلا بإذنه. قال تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠.

ولا يصح القول بأن ترك كل علاج دليل على قوة الإيمان؛ فأحكام التداوي تختلف بحسب الحال، ولا يجوز اتخاذ شعار التوكل ذريعةً إلى تعريض النفس للضرر أو تضييع الحقوق.

وفي المقابل، احذروا الاعتماد على الأسباب مع الغفلة عن الله؛ فلا يعتقد الإنسان أن ماله أو خبرته أو دواءه يضمن له النتيجة. بل يفعل ما يستطيع، ويسأل الله التوفيق، ثم يصبر ويرضى بما يقضيه سبحانه.

فالواجب أن تسعوا في الأسباب المشروعة، وتستعينوا بالله، وتفوضوا إليه النتائج، دون كسل ولا تعلق بالأسباب ينسِيكم ربكم.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تواصل مباشر

هل لديك سؤال مشابه؟

أرسل سؤالك الشرعي للشيخ الدكتور حسان سليم بليدي وسيتم الرد عليه بعلم وأمانة وفق منهج أهل السنة والجماعة، مجاناً وبلا مقابل.