السلام عليكم.. أنا أعمل في الموارد البشرية في الجيش، أين تقدم قائد فرقة بطلب العطلة خارج نظام الافواج المعمول به لظروف عائلية، و بالخطأ في ملخص الطلب الذي أنجزه عادة لتلخيص موضوع الطلب لقائدي ( لديه صلاحية الموافقة من عدمها)، كتبت طلب إجازة إستثنائية بدلا من طلب عطلة حيث أن الموافقة أقرب للعطلة من إجازة إستثنائية، فكان الرد بالرفض و قبل إعلامي لقائد الفرقة صاحب الطلب اكتشفت الخطأ لكنني تعمدت تجاهله خوفا من رد فعل قائدي و أخبرت قائد الفرقة ان طلبه مرفوض، الأمر الذي تسبب في انهياره ثم نقله للمستشفى و بعد أيام وفاته .. هل يعتبر هذا قتلا عمديا أو خطأ؟ ما الحكم و ماذا يترتب عنه شرعا ، علما أنني جد نادم و في حيرة و خوف شديدين ، أفيدوني رحمكم الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
رحم الله المتوفى، وغفر له، وألهم أهله الصبر، وأعانكم على التوبة وأداء الحقوق.
لا يجوز الحكم من هذا الوصف وحده بأنكم ارتكبتم قتلًا عمدًا أو قتلًا خطأً، ولا إلزامكم بدية أو كفارة بمجرد أن الوفاة وقعت بعد إبلاغه برفض الطلب. فالتتابع الزمني لا يكفي لإثبات أن تصرفكم تسبب في الوفاة تسببًا معتبرًا شرعًا.
لكن ينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: مسؤوليتكم عن إخفاء الخطأ الإداري. فالخطأ الأول غير المتعمد يختلف عن تعمد تجاهله بعد اكتشافه. وكان الواجب تصحيح الملخص وعرض حقيقة الطلب على صاحب صلاحية القرار، والخوف من رد فعله لا يبيح كتمان الخطأ والإضرار بحق صاحب الطلب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فعليكم التوبة من هذا التقصير، بالندم والاستغفار والعزم على عدم تكراره، مع تصحيح السجل وبيان الواقعة للجهة المختصة بالطريق النظامي، دون إخفاء أو تغيير للمستندات.
الثاني: مسؤوليتكم عن الوفاة. وهذه تحتاج إلى تحقيق: ما السبب الطبي للوفاة؟ وهل كان الانهيار مرتبطًا بها؟ وهل ثبت أن تصرفكم أسهم فيها؟ وما الظروف التي كنتم تعلمونها وقت الإبلاغ؟ كما لا يُجزم بأن تصحيح الملخص كان سيؤدي حتمًا إلى قبول العطلة.
وتعمد إخفاء الخطأ لا يساوي بذاته تعمد القتل، كما أن عدم قصد الوفاة لا ينفي كل مسؤولية محتملة إذا ثبت تسبب معتبر. لذلك يلزم عرض الوقائع والمستندات على جهة تحقيق مختصة، والاستعانة بالتقرير الطبي، ثم عرض النتائج على مفتٍ مؤهل في مسائل الجنايات. ولا يمكن الجزم هنا لا بالإدانة ولا بانتفاء المسؤولية.
فإن ثبت شرعًا أنه قتل خطأ منسوب إليكم، ترتبت أحكامه من الدية والكفارة بحسب تفاصيل القضية؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]. أما الآن، فلا نوجب عليكم هذه الأحكام قبل ثبوت موجبها، ولا تكون الصدقة بديلًا عن حق أو كفارة ثبت وجوبها.
ابدؤوا بالتوبة وتصحيح ما يمكن تصحيحه، واستعينوا بمختص قانوني لمعرفة طريقة تقديم بيان صادق عبر الإجراءات المعتمدة، وبأهل العلم لتقدير ما يترتب شرعًا. ولا تصفوا أنفسكم بالقاتل اعتمادًا على الخوف وحده.
ولا تيأسوا من رحمة الله؛ قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. وإن اشتد القلق وأثر في نومكم أو قدرتكم على العمل، فاطلبوا دعمًا نفسيًا يساعدكم على التعامل مع الموقف وأداء ما يلزم بهدوء.
أسأل الله أن يغفر للمتوفى، ويقبل توبتكم، ويعينكم على الحق. والله أعلم.
