السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شيخنا، بارك الله فيكم، أنا إمام مسجد، في فرنسا وأعاني من خلافات متكررة مع زوجتي؛ فهي، ب تسبني وتشتمني وتنتقص مني، مع أنني أقوم بواجباتي تجاهها، وأحرص على توفير احتياجاتها. وتطالبني بأن أخصص لها راتبًا شهريًا، وتثير خلافات شديدة إذا لم أستجب لهذا الطلب. وقبل الزواج بيّنت لها ما أريده من الحياة الزوجية، واتفقنا على الاحترام المتبادل وأداء الواجبات، واشترطت عليها ألا تستخرج رخصة قيادة وألا تكون لها سيارة، وقبلت بذلك، وتعهدتُ من جهتي بالقيام بواجباتي والنفقة عليها. وكان لها عند زواجنا طفل يبلغ نحو سنتين. وبعد شهرين أو ثلاثة من الزواج بدأت المشكلات، وكثرت المطالب، ووقعت نزاعات بينها وبين أهلي وإخوتي وبعض إخواني. ولدينا الآن بنت، ومن الأمور التي أعاني منها أنها تمتنع عن العلاقة الزوجية منذ أكثر من سنة. وقد حاولت الإصلاح بالحوار معها والتواصل مع والديها. وفي إحدى المرات أقسمت، واضعةً يدها على المصحف، أنها ستلتزم بما اتفقنا عليه وتغيّر سلوكها، ثم عادت الخلافات بعد مدة قصيرة. وأخذتها إلى العمرة، فعاهدتني هناك على إصلاح الحال وعدم العودة إلى السب والشتم، ولكن بعد نحو أسبوع من رجوعنا عادت الأمور إلى سابق عهدها. ومن أسباب تعقّد الخلاف أنها تبدأ، بحسب روايتي، بالسب والشتم، فإذا رددت عليها اتهمتني بأنني أنا الذي بدأت. وقد ضربتني بعد نحو سنة من الزواج، وحاولت مؤخرًا ضربي مرة أخرى، وأنا لا أريد أن أواجه ذلك بضربها أو الاعتداء عليها. فماذا تنصحونني أن أفعل، بارك الله فيكم؟ وما حقوق كلٍّ منا وواجباته؟ وهل يلزمني تخصيص راتب شهري لها زيادةً على النفقة؟ وما حكم الشروط التي اتفقنا عليها قبل الزواج؟ وكيف نسعى إلى الإصلاح وحفظ حق ابنتنا في ظل هذه الخلافات؟ وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
إذا كان الأمر كما ذكر السائل، فإن ضرب الزوجة لزوجها وسبّه وشتمه والانتقاص منه ظلم محرّم، وامتناعها عن فراشه بغير عذر معتبر من النشوز. والواجب عليها أن تتوب إلى الله، وتكف عن الاعتداء والإهانة، وتؤدي الحقوق الواجبة عليها. ولا يجوز لها اتخاذ الخلافات المالية أو المطالبة بالسيارة ذريعة لهذه الأفعال.
قال النبي ﷺ: «سباب المسلم فسوق»، متفق عليه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فالحياة الزوجية لها حقوق وواجبات، ولا تستقيم مع الاعتداء المتكرر وإهدار حرمة أحد الزوجين.
وأما امتناعها عن المعاشرة أكثر من سنة، فإن كان بغير مرض أو ألم أو عذر معتبر، فهو إخلال بحق زوجها، وقد ورد في الصحيحين الوعيد على امتناع الزوجة عن فراش زوجها إذا دعاها، فبات غاضبًا عليها. ولا يجوز استعمال العلاقة الزوجية وسيلة للضغط عليه حتى يستجيب لمطالبها.
وأما إفشاء أسراره، فإن كانت تنقل خصوصياته إلى والديها بقصد التشهير والانتقاص وتأليبهما عليه، فذلك إساءة وخيانة للأمانة. وأما إخبارهما بما يحتاجان إلى معرفته للإصلاح، بصدق وبقدر الحاجة، فليس من التشهير المحرّم. وإذا كانت تنسب إليه ما لم يفعله، فقد أضافت إلى الإساءة بهتانًا؛ قال تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وأما الشروط المتفق عليها، فالأصل وجوب الوفاء بالشروط الصحيحة. قال النبي ﷺ: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»، متفق عليه.
عن شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين تؤيد اعتبار الشروط التي يقبلها أحد الزوجين لغرض صحيح، ولو تضمنت ترك بعض ما يستحقه عند إطلاق العقد. لكنها تتناول صورًا معينة، ولا تجعل كل شرط صحيحًا دون النظر في مضمونه وتفاصيله.
وعليه، فإن كان اتفاق عدم القيادة شرطًا صحيحًا معتبرًا مرتبطًا بالزواج، وقد قبلته الزوجة اختيارًا لغرض صحيح، فالواجب الوفاء به، أو طلب تعديله بالتراضي، لا فرض تغييره بالسب والاعتداء. أما تنزيل هذا الحكم على الاتفاق المذكور فيحتاج إلى معرفة لفظه، ووقت اشتراطه، وما يترتب عليه من حاجة أو ضرر. ومجرد موافقة والديها لا يحسم حكمه.
ولا يلزم الزوج شراء سيارة بعينها لمجرد مطالبتها، إذا كانت احتياجات تنقلها المعتبرة متوفرة بالمعروف. .
وأما مطالبتها براتب شهري، فلها النفقة الكافية بالمعروف، بحسب حال الزوج وقدرته وحاجاتها المعتادة. و لا يجوز لها فرض مطالبها بالإهانة والاعتداء.
وما ذكره السائل من تكفله بطفلها من زواج سابق إحسان يُشكر عليه، ولا يليق مقابلته بالإساءة. والطفل بريء من هذا النزاع، فلا يُحمَّل تبعاته.
و لا يجب على الزوج تخصيص راتب شهري زائد على النفقة الواجبة لزوجته، إذا كان يوفر لها كفايتها بالمعروف، ولم يكن بينهما شرط صحيح أو اتفاق ملزم على مبلغ مستقل.
والواجب هو النفقة بالمعروف، بما يشمل الطعام والشراب والكسوة والسكن وسائر الاحتياجات المعتبرة، بحسب القدرة والحاجة والعرف. ويمكن توفيرها مباشرةً أو بإعطائها مالًا يكفيها؛ فالعبرة بتحقق الكفاية، لا بتسمية المبلغ «راتبًا» أو «مصروفًا».
والأحاديث الواردة في ذلك:
١. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
أخرجه مسلم (١٢١٨) ضمن حديث حجة الوداع، وهو صحيح.
٢. عن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلا في البيت».
أخرجه أبو داود (٢١٤٢)، وقال الألباني: حسن صحيح.
٣. عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة».
أخرجه البخاري (٥٣٥١) ومسلم (١٠٠٢)، وهو متفق عليه، صحيح.
٤. عن ثوبان رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله».
أخرجه مسلم (٩٩٤)، وهو صحيح. فإذا استوفى الزوج النفقة الواجبة، فلا يلزمه مبلغ إضافي لمجرد المطالبة به، والتوسعة على الأهل والإحسان إليهم مما يؤجر عليه.
والله أعلم.
وقد ذكر السائل أنه حاول الإصلاح مرارًا، وحاورها وتواصل مع والديها، وأنها أقسمت ووضعة يدها على المصحف ووعدت مع العلم أن من حلف بالله تعالى،وو ضع يده على المصحف، على أمرٍ يعلم أنه كاذب فيه، فقد ارتكب إثمًا عظيمًا، وهذه اليمين الغموس؛ سُمّيت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وهي من كبائر الذنوب. ويشتد الأمر إذا اتخذها وسيلة لخداع الناس أو أكل حقوقهم.
ووضع اليد على المصحف لا يجعل الكذب صدقًا، ولا يعفي الحالف من المسؤولية؛ بل لا يجوز اتخاذ كتاب الله وسيلة لاستمالة الناس وتصديق الباطل. فليتق الله من يتجرأ على الحلف باسمه وهو يعلم أنه يكذب، وليعلم أن إقناع الناس لا ينجيه من حساب الله.
والواجب عليه التوبة الصادقة، والندم، والإقلاع عن الكذب، والعزم على عدم العودة، ورد الحقوق إن ترتب على يمينه ظلم لأحد. ولا تكفي الكفارة وحدها لمحو تبعات الظلم مع الإصرار عليه.
وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكفارة في اليمين الغموس، فأوجبها بعضهم مع التوبة. وكفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
، ثم عاهدته أثناء العمرة، وعادت بعد ذلك إلى الإساءة. فإذا صح ذلك، فالواجب عليها أن تدرك أن الوعود لا تغني عن التوبة العملية، وأن استمرار الظلم بعد النصيحة يزيد الأمر خطورة. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
ولا تُسقط العمرة حقوق الناس، ولا يغني الوعد بالإصلاح عن ترك الاعتداء ورد المظالم. وإن حلفت بالله يمينًا منعقدة ثم حنثت، فلليمين حكمها وكفارتها، مع بقاء وجوب التوبة من الإساءة. و عليها أن تعلم أن الظلم عاقبته وخيمة، سواء وقع بين الزوجين أو غيرهما. قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا»، رواه مسلم. وقال النبي ﷺ: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، رواه مسلم.
فلتتقِ اللهَ الزوجةُ التي تظلم زوجها بالسب والشتم والضرب والبهتان وإضاعة حقوقه، ولتعلم أن إمهال الله ليس غفلةً عن ظلمها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وقال النبي ﷺ: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، متفق عليه.
فالواجب المبادرة إلى التوبة، ووقف الإساءة، ورد الحقوق، وطلب المسامحة؛ فإن حقوق العباد لا تسقط بمجرد الاعتذار بالانفعال أو الغضب، ولا يكفي الوعد بالإصلاح مع الاستمرار في الظلم. فعليها أن تحذر من دعوة زوجها عليها إن كانت ظالمةً له؛ فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. قال النبي ﷺ: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، متفق عليه. فلتبادر إلى التوبة، وترك الإساءة، ورد الحقوق، وطلب المسامحة، قبل أن تقف بين يدي الله للمحاسبة.
فهل يجوز له طلاقها؟ نعم، إذا استمرت في سوء العشرة والاعتداء والنشوز، وتعذّر الإصلاح، فلا حرج عليه في طلاقها. وقد نقلتَ عن ابن قدامة في «المغني» أن الطلاق يُباح عند الحاجة إليه لسوء الخلق وسوء العشرة والتضرر بها. وهذا يتفق مع قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وإن بقي مجال لإصلاح جاد، فليكن عن طريق حكمين من أهلهما يسمعان الطرفين، ويضعان اتفاقًا واضحًا ويتابعان تنفيذه؛ قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. ولا ينبغي تحويل ما ورد في النص المنقول عن معالجة النشوز إلى دعوة للضرب في نزاع وقع فيه اعتداء بالفعل؛ بل تُطلب السلامة ويُسلك التحكيم أو الفراق المشروع.
أما ابنتهما، فتُراعى مصلحتها عند اتخاذ القرار؛ فاستمرارها في بيت تسوده الإهانات والاعتداء قد يضرها أيضًا. وإذا وقع الفراق، تُنظَّم حضانتها ورعايتها وفق مصلحتها وبالطرق القضائية المشروعة، ولا يُحكم بحرمان أمها منها بمجرد هذه الرواية.
فله أن يستخير الله، ويستعين بأهل العلم والحكمة، فإن تعذّر الإصلاح جاز الفراق، مع حفظ الحقوق وترك الظلم والتشهير.
وهذا الحكم مبني على صحة ما ورد في السؤال؛ أما إثبات الوقائع والفصل في النزاع بعينه فيحتاج إلى سماع الطرفين.
والله أعلم.
