شيخنا الفاضل، نفع الله بعلمكم. أنا أب لأربعة أبناء، وأخشى عليهم من الضياع والانحراف، خاصة مع كثرة المؤثرات في الهواتف ووسائل التواصل، وما قد يجدونه من رفقاء السوء. وأحرص على تربيتهم على الصلاة وحب الدين، لكنني أحتار أحيانًا في كيفية توجيههم والتعامل معهم. فبماذا تنصحونني؟ وكيف أجمع بين الرفق والحزم، وأعينهم على التمسك بدينهم عن محبة واقتناع؟ جزاكم الله خيرًا.
بارك الله فيكم وفي أبنائكم، وأقر أعينكم بصلاحهم واستقامتهم.
حرصكم على دين أبنائكم خير، وهو من الشعور بالمسؤولية التي حمَّلكم الله إياها. وينبغي أن يتحول هذا الحرص إلى تعليم وصبر ومتابعة ودعاء، فلا يبقى مجرد خوف عليهم.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
وأول ما أوصيكم به أن تكونوا قدوة صالحة لهم؛ فيرون منكم المحافظة على الصلاة، والصدق، وحسن معاملة أمهم، والعدل بينهم، وضبط اللسان عند الغضب. فإن الأبناء يتأثرون بما يشاهدونه من أعمال والديهم، كما يتأثرون بما يسمعونه من توجيهاتهم.
ثم علموهم أصول الدين بتدرج، بحسب أعمارهم وفهمهم: معرفة الله ومحبته وتعظيمه، وإفراده بالعبادة، ومحبة رسوله ﷺ واتباع سنته، والمحافظة على الصلاة، والصدق والأمانة وسائر الآداب. واختاروا لهم تعليمًا موثوقًا يناسب سنهم، ولا تبدؤوا معهم بالخصومات والمسائل التي لا يحسنون فهمها.
واعتنوا بالصلاة عناية خاصة؛ علموهم الطهارة وكيفية الصلاة، وذكروهم بمواقيتها، وشجعوهم على المحافظة عليها، واصبروا على تكرار التوجيه.
قال تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
وتأملوا قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾؛ فإن التربية تحتاج إلى صبر واستمرار، ولا تتحقق بنصيحة واحدة أو بانفعال عابر.
واجمعوا بين الرفق والحزم المنضبط. فالرفق يكون بحسن الكلام، والاستماع إليهم، وتفهم ما يشكل عليهم، وتصحيح الخطأ دون سب أو إهانة. والحزم يكون بوضع قواعد واضحة، ومتابعتها بثبات وعدل، دون ظلم أو عقوبات مؤذية. وإذا أخطأ أحدهم، فبينوا له خطأه، وافتحوا له باب الرجوع، ولا تجعلوا كل زلة سببًا لوصفه بالفساد أو الضياع.
وأما الهواتف ووسائل التواصل، فضعوا لها ضوابط تناسب أعمارهم، من حيث الوقت والمحتوى، وتابعوا ما يشاهدونه متابعة واعية. واشرحوا لهم أسباب هذه الضوابط، وعلموهم كيف يميزون النافع من الضار، وكيف يتصرفون إذا تعرضوا لمحتوى مؤذٍ أو تواصل مريب.
ولا تكتفوا بمنع ما يضر؛ بل وفروا لهم ما ينفعهم ويسعدهم: صحبة صالحة، ونشاطًا رياضيًا مناسبًا، وقراءة، وأوقاتًا أسرية، ومجالس قرآن وعلم تلائم أعمارهم. فالفراغ والبعد عن الوالدين قد يفتحان أبوابًا لا تُغلق بمجرد المنع.
واقتربوا من أبنائكم، واجعلوا لكل واحد منهم وقتًا تسمعون فيه حديثه؛ فأبناؤكم الأربعة قد تختلف طباعهم واحتياجاتهم، ولا يلزم أن تنفع معهم طريقة واحدة. وإذا سألكم أحدهم عن أمر في الدين، فلا تزجروه لمجرد السؤال، بل أجيبوه بعلم، أو اسألوا أهل العلم فيما لا تعرفون.
ومن المهم أن تتعاونوا مع أمهم على التربية، وأن تتفقوا قدر المستطاع على القواعد الأساسية، وألا تتحول الخلافات بينكما إلى رسائل متناقضة تربك الأبناء.
وأكثروا من الدعاء لهم، فقد قال إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].
فخذوا بالأسباب، واستعينوا بالله، ولا تستعجلوا ثمرة التربية. وإن ظهر على أحدهم انحراف، فابحثوا عن أسبابه، وعالجوه بحكمة، واستعينوا بمن يوثق بعلمه وخبرته عند الحاجة، دون يأس أو تشهير به.
نسأل الله أن يحفظ أبناءكم، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، وأن يجعلهم من أهل التوحيد والسنة والاستقامة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
