الأسرة
نصي

كيف نعالج الخلافات الزوجية ونحافظ على استقرار بيتنا (فرنسا)

4 أكتوبر، 2026 · الشيخ الدكتور حسان سليم بليدي · وقت القراءة: دقيقة واحدة
السؤال

شيخنا الفاضل، نفع الله بعلمكم. أنا رجل متزوج، وتتكرر بيني وبين زوجتي خلافات في أمور الحياة اليومية، وقد يشتد النقاش ويؤثر في استقرار بيتنا وأبنائنا. وأريد أن أعرف ما يجب على كل واحد منا شرعًا، وكيف نعالج خلافاتنا حتى تستقيم حياتنا على طاعة الله وحسن العشرة. فما نصيحتكم لنا؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب

أصلح الله شأنكم، وألّف بين قلوبكم، وبارك لكم في أهلكم وأبنائكم.

تستقيم الحياة الزوجية بتقوى الله، ومعرفة الحقوق وأدائها، والمعاشرة بالمعروف. فعلى كل واحد من الزوجين أن ينظر فيما أوجب الله عليه، وأن يجتهد في أدائه، وألا ينشغل بالمطالبة بحقه مع التفريط في واجبه.

قال الله تعالى:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].

وقال سبحانه:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

فالمعاشرة بالمعروف تشمل الكلام الطيب، والاحترام، وأداء الحقوق، واجتناب الأذى، ومراعاة ما جرى به العرف الصحيح مما لا يخالف الشرع. وقد أكد الشيخ ابن باز رحمه الله وجوب حسن العشرة على الزوجين، وتعاونهما على الخير، وابتعادهما عن الظلم.

وعلى الزوج أن يؤدي ما أوجبه الله عليه من النفقة والكسوة والسكن بحسب استطاعته وبالمعروف، وأن يحسن معاملة زوجته، ويراعي حقوقها، ويقوم بمسؤولية القوامة بالعدل والرعاية. فالقوامة مسؤولية، ولا تبيح السب أو الإهانة أو الاعتداء.

وعلى الزوجة أن تطيع زوجها في المعروف فيما يدخل في حقوق الزوجية، وأن تحفظ أمانة البيت، وتحسن خطاب زوجها، وتؤدي حقوقه، ومنها حق المعاشرة ما لم يوجد عذر معتبر. ولا يجوز لأي منهما أن يجعل الحقوق وسيلةً للانتقام أو الضغط على الآخر.

وعن علي رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

رواه البخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠).

وأما عند الخلاف، فأوصيكما بأمور:

أولًا: اختارا وقتًا مناسبًا للكلام، ولا تحاولا حسم المشكلة في شدة الغضب. وإذا احتد النقاش، فتوقفا حتى تهدأ النفوس، ثم عودا إلى أصل المشكلة دون سب أو تهديد.

ثانيًا: ليتكلم كل واحد عن الأمر المحدد الذي يريد إصلاحه، وليستمع إلى الآخر، دون استحضار كل الأخطاء القديمة أو اتهام النيات. ومن أخطأ فليعتذر، ومن قُدم إليه اعتذار صادق فليقبل ويسعَ إلى الإصلاح.

ثالثًا: فرقا بين الحقوق الشرعية التي يجب أداؤها، وبين الرغبات الشخصية التي تحتاج إلى تفاهم. وإذا أشكل عليكما حكم، فاسألا عالمًا موثوقًا، ولا تجعلَا المقاطع المجتزأة أو كلام الأقارب حَكَمًا على الشرع.

رابعًا: احفظا أسرار البيت، ولا تنشرا الخلافات في وسائل التواصل، ولا توسعا دائرة التدخل بما يزيد الخصومة. وهذا لا يمنع طلب المشورة أو الشكوى لرفع ظلم، لكن تكون بصدق، ولمن يستطيع المساعدة، وبقدر الحاجة.

خامسًا: جنبا الأبناء تفاصيل النزاع، ولا تجعلوهم طرفًا فيه، ولا يستعمل أحدكما الأطفال لإيذاء الآخر؛ فإنهم يحتاجون إلى الأمان وحسن القدوة.

ومن أسباب استمرار المودة ألا ينسى أحدكما محاسن صاحبه بسبب ما يكرهه منه؛ فلا تُختزل سنوات العشرة في خطأ أو خصلة واحدة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:

«لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ».

رواه مسلم (١٤٦٩). ومعنى «لا يفرك»: لا يبغض.

وفي الحديث توجيه للزوج إلى الإنصاف، والنظر إلى المحاسن مع العيوب، دون أن يعني ذلك إقرار الظلم أو ترك معالجة الخطأ.

فإن استمر الشقاق ولم تستطيعا إصلاحه، فاستعينا بحكمين من أهل العقل والأمانة، يريدان الإصلاح ويعرفان أحوالكما، كما قال تعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥].

ولا تتعجلا التهديد بالطلاق كلما وقع خلاف؛ بل خذا بأسباب الإصلاح، وأديا الحقوق، واستعينا بالله. وإذا كان هناك اعتداء أو ضرر، وجب السعي إلى رفعه، ولا يُطلب من المتضرر السكوت عنه باسم المحافظة على البيت.

نسأل الله أن يصلح بيوت المسلمين، وأن يرزق الزوجين العدل والرحمة وحسن العشرة.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تواصل مباشر

هل لديك سؤال مشابه؟

أرسل سؤالك الشرعي للشيخ الدكتور حسان سليم بليدي وسيتم الرد عليه بعلم وأمانة وفق منهج أهل السنة والجماعة، مجاناً وبلا مقابل.