شيخنا الفاضل، أحسن الله إليكم. أحب أحد العلماء وأثق بعلمه، وأستفيد من دروسه وفتاواه، لكنني أجد أحيانًا أن علماء آخرين يخالفونه في بعض المسائل. فهل محبتي له تقتضي قبول جميع أقواله؟ وإذا تبين خطؤه، فكيف أتعامل معه دون تعصب له أو انتقاص من مكانته؟ جزاكم الله خيرًا.
حياكم الله، ورزقنا وإياكم الإنصاف وحسن الاتباع.
العلماء يُحبون ويُوقرون، ويُعرف لهم فضلهم، ويُستفاد من علمهم، لكنهم غير معصومين من الخطأ. فلا يلزم من محبة العالم قبول كل قول يقوله؛ وإنما الواجب اتباع الحق، مع حفظ قدر أهل العلم.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
فالمرجع عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولا يُجعل قول أحد من العلماء مقدَّمًا على الدليل الثابت.
لكن مجرد اختلاف العلماء لا يعني أنكم عرفتم المخطئ منهم؛ فالحكم على الأقوال يحتاج إلى علم بثبوت الأدلة ودلالاتها، والجمع بينها، ومعرفة ما يتعلق بالمسألة من تفصيل. وقد يظهر للإنسان تعارض بسبب نقص فهمه أو اطلاعه.
فإن كنتم مؤهلين للنظر في الأدلة، فاتبعوا ما ظهر رجحانه على أصول العلم. وإن لم تكونوا مؤهلين، فاسألوا من تثقون بعلمه ودينه، واطلبوا منه بيان ما أشكل عليكم، ولا تختاروا الأقوال لمجرد موافقتها لرغباتكم.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
والرجوع إلى العالم الموثوق فيما لا تعلمونه امتثال لهذا الأمر، ولا يكون تعصبًا بمجرده. وإنما التعصب أن يرد الإنسان الحق بعدما تبين له، أو يزعم أن شيخه لا يخطئ، أو يجعل موافقة شخص معين ميزانًا لقبول الناس وردهم.
وإذا ثبت خطأ العالم، فلا يُتَّبع في خطئه، ولا يُهدر فضله بسبب ذلك. يُبيَّن الصواب بأدب ودليل، دون سخرية أو تشفٍّ، مع الدعاء له. وقد قرر الشيخ ابن باز رحمه الله الجمع بين اتباع الدليل واحترام العلماء، وأن خطأ العالم لا يبيح سبه أو احتقاره.
ومن المهم كذلك التفريق بين خطأ اجتهادي يصدر من عالم مؤهل يقصد الحق، وبين قول يصدر بغير علم أو اتباعًا للهوى؛ فليست جميع الأخطاء سواء، ولا يجوز الجزم بنيات الناس دون بينة.
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».
رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦).
وهذا في الاجتهاد الصادر من أهله؛ فلا يدل على جواز الكلام بغير علم، كما أن أجر المجتهد المخطئ لا يجعل قوله الخاطئ صوابًا يجب اتباعه.
فنصيحتنا لكم: أحبوا العلماء، واستفيدوا من علمهم، واحفظوا ألسنتكم عن الانتقاص منهم، واجعلوا محبتكم عونًا على التعلم والاتباع. وإذا أشكل عليكم خلاف، فاطلبوا بيانه من أهل العلم بتواضع، ولا تحولوه إلى خصومة أو ولاء لشخص على حساب الحق.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
