شيخنا الفاضل، نفع الله بعلمكم. تصلنا عبر وسائل التواصل رسائل تتضمن اتهامات لبعض الأشخاص، ويطلب منا مرسلوها نشرها بحجة تحذير الناس. فما حكم تداول هذه الرسائل؟ وكيف نميز بين النصيحة المشروعة والغيبة والتشهير؟
حياكم الله، ووفقكم لكل خير.
الأصل وجوب حفظ أعراض المسلمين، فلا يجوز نشر الاتهامات لمجرد وصولها أو كثرة تداولها؛ فإن انتشار الخبر لا يدل على صحته، وقد يكون كذبًا، أو نقلًا ناقصًا، أو كلامًا أُخرج عن سياقه.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
فالواجب التثبت، وعدم بناء الأحكام على الظنون أو الرسائل مجهولة المصدر. وإعادة إرسال الرسالة مشاركة في نشرها، فلا يعفي الإنسانَ من المسؤولية أن يقول: «أنا ناقل فقط»، أو: «هكذا وصلني».
واعلموا أن ثبوت الخبر لا يعني جواز نشره في كل حال؛ فقد يكون الكلام صحيحًا، ولكن نشره غيبةً محرمة، أو كشفًا لخصوصيات لا حاجة إلى كشفها. وإن كان كذبًا، كان بهتانًا وظلمًا. فلا بد من النظر في صحة الكلام، وفي مشروعية نشره، وفي الحاجة إليه.
أما الشكوى من ظلم، أو طلب المساعدة لرفع ضرر، أو النصيحة لمن يحتاج إليها، فقد تكون مشروعة، مع الالتزام بالصدق والعدل، والاقتصار على القدر الذي تتحقق به الحاجة. فيذكر المظلوم مظلمته لمن يستطيع إنصافه، ويُحذَّر من الضرر من يحتاج إلى التحذير، دون إضافة اتهامات أو إهانات لا علاقة لها بالمقصود.
ولا يلزم من جواز الشكوى جواز نشرها على الملأ؛ فقد تتحقق المصلحة بإبلاغ جهة مختصة، أو بمناصحة شخص معين، دون تداول الأمر في المجموعات وإيذاء من لا صلة له به.
والفرق بين النصيحة والتشهير لا يرجع إلى النية وحدها؛ بل يُنظر كذلك في صحة المعلومات، ووجود الحاجة، وطريقة الكلام، ومن يُوجَّه إليه. فالنية الحسنة لا تبيح الكذب، ولا تجاوز حدود الحاجة، ولا استغلال خلاف قديم لإسقاط إنسان.
وإذا وُجد خطر عاجل أو اعتداء أو تهديد، فلا يمنع هذا الكلام المتضرر من طلب الحماية وإبلاغ الجهة المختصة؛ بل يبين ما يعرفه، ويميز بين ما شاهده بنفسه وما نُقل إليه، ولا يجزم بما لا يعلم.
ومن سبق له نشر اتهام باطل، فعليه أن يتوب إلى الله، ويحذف ما نشره، ويصحح المعلومة لدى من وصل إليهم بقدر استطاعته، ويسعى في إصلاح ما ترتب على كلامه من ضرر. فإن أعراض الناس ليست مباحة، وقد تنتشر الكلمة في دقائق، وتبقى آثارها سنوات.
فنصيحتنا لكم: تثبتوا قبل النقل، واحفظوا ألسنتكم وأقلامكم، واجعلوا التحذير بقدر الحاجة وبالعدل، ولا تجعلوا وسائل التواصل طريقًا للشائعات والخصومات؛ فإن الإنسان مسؤول بين يدي الله عما يقول وعما ينشر.
وأما التحذير من البدع والضلالات المنشورة، فهذا باب له حكمه وضوابطه. فإذا ثبت أن شخصًا ينشر البدع، أو يدعو إلى الضلال، أو ينسب إلى الله ورسوله ﷺ ما ليس صحيحًا، فإن بيان باطله والتحذير منه مشروع، وقد يجب على أهل العلم القادرين بحسب الحاجة؛ حمايةً للناس من الاغترار به، وصيانةً للدين من التحريف.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
ولا يصح جعل النهي عن الغيبة ذريعةً إلى السكوت عن الباطل الذي يُنشر بين الناس؛ فالنصيحة تقتضي بيان الخطأ بالدليل، وقد تقتضي تسمية صاحبه إذا لم يتحقق التحذير إلا بذلك.
لكن يجب أن يكون التحذير بعلم وعدل وتثبت؛ فيُنقل كلام الشخص بأمانة، ويُبيَّن وجه مخالفته للكتاب والسنة، دون كذب عليه أو تحميل كلامه ما لا يحتمل، ودون التعرض لأسرته أو خصوصياته التي لا صلة لها بخطئه.
كما ينبغي التفريق بين وقوع الإنسان في خطأ، وبين الحكم عليه بأنه مبتدع؛ فليس كل خطأ بدعة، وليس كل من وقع في بدعة يُحكم عليه مباشرةً بأنه مبتدع. وكذلك من روى حديثًا غير صحيح جاهلًا بحاله لا يُنسب إليه تعمد الكذب على النبي ﷺ دون دليل، وإن وجب تصحيح ما نشره.
فالواجب حماية الناس من الضلال، مع حفظ العدل: نرد الباطل، ونحذر من صاحبه عند الحاجة، ولا نظلمه أو نفتري عليه.
والله أعلم.
