أحسن الله إليكم شيخنا، وكُتب أجركم. إذا تسلم شخص أو جمعية تبرعات لمشروع معين، ثم رأى القائمون عليه أن هناك مشروعًا آخر أشد حاجة أو أعظم نفعًا، فهل يجوز تحويل المال إليه دون الرجوع إلى المتبرعين؟ وكيف يُتصرف في المال إذا زاد عن حاجة المشروع أو تعذر تنفيذه؟
بارك الله فيكم، وأعاننا وإياكم على أداء الأمانة.
الأصل أن التبرعات المخصصة تُصرف في الغرض الذي بذلها أصحابها من أجله؛ لأن القائم عليها مؤتمن ووكيل عن المتبرعين، فعليه الالتزام بحدود الإذن، ولا يملك التصرف فيها كما يتصرف في ماله الخاص.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
فإذا جُمعت الأموال لمساعدة أسرة معينة، أو لمشروع تعليمي محدد، لم يجز تحويلها إلى جهة أخرى لمجرد أن القائم عليها يراها أنفع. وحسن القصد لا يكفي لتجاوز الإذن. وقد قرر الشيخ ابن باز رحمه الله، في تبرعات خُصصت لدار معينة، أن الوكيل يصرفها في مصالح تلك الدار، ولا ينقلها إلى دار أخرى أو مسجد؛ لأنه لم يُفوَّض في ذلك
أما إذا كانت التبرعات عامة لأعمال الخير، أو فوّض أصحابها الجمعية في اختيار أوجه الصرف، جاز التصرف في حدود ذلك التفويض، مع تحري المصلحة والأمانة.
وأما المال الزائد عن حاجة المشروع، ففيه تفصيل. فليس مجرد بقاء مبلغ دليلًا على الاستغناء عنه؛ فقد يحتاج المشروع إلى إكمال أو تجهيز أو نفقات تدخل في الغرض الذي جُمع له المال.
وإذا اكتمل الغرض واستغنى عن المال فعلًا، فقد أجاز أهل العلم صرف الفائض في نظيره في بعض الصور. ومن ذلك ما أفتى به الشيخ ابن باز رحمه الله: أن المال الفاضل عن مسجد اكتمل واستغنى عنه يُصرف في تعمير مساجد أخرى وما يتبعها من مرافق. فلا تُسوّى هذه الحالة بتحويل المال عن مشروع ما زال محتاجًا إليه
وإذا تعذر تنفيذ المشروع، أو أريد تغيير غرض التبرع، فيُرجع إلى المتبرعين متى أمكن لاستئذانهم. فإن تعذر الرجوع إليهم، عُرضت التفاصيل على أهل العلم، مع بيان صيغة جمع التبرعات، وشروط أصحابها، وسبب تعذر المشروع؛ فلا يُحكم في جميع الصور بحكم واحد.
وينبغي كذلك توضيح أوجه الصرف للمتبرعين، وحفظ السجلات، وعدم اقتطاع مصاريف إدارية أو أجور خارج ما أُذن فيه. وإن كانت الأموال من الزكاة، فلها مصارفها الشرعية، ولا تُعامل معاملة الصدقات العامة.
فالخلاصة: يُلتزم بالغرض والإذن، ويُنظر في الفائض أو تعذر المشروع بحسب تفاصيله وضوابطه الشرعية، دون تصرف فردي مطلق.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
