السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا مرّ زيد بيوم سيئ جدًا، ومن دون أي عذر معتبر شرعًا، وكان في كامل وعيه وإدراكه، ولم يفقد عقله إطلاقًا، ولكنه بسبب ذلك اليوم السيئ تلفّظ بنذور قربة وعبادة شديدة الخطورة، ونواها قاصدًا، وليست من نذر اللجاج، وكانت هذه النذور غير متناهية في العدد (أي إنها لا تقتصر على الأمثلة المذكورة أدناه، بل تشمل عددًا لا نهائيًا من النذور المماثلة)، ومن أمثلتها: أن يتصدق بجميع أمواله، وبكل ما سيملكه من أموال في المستقبل، بصيغة «كلما». أن تصبح جميع أفكاره وخواطره، سواء الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية، نذورًا صحيحة وملزمة شرعًا، بصيغة «كلما». أن يتصدق ببيته، وبجميع البيوت التي قد يمتلكها في أي وقت من حياته، بصيغة «كلما». أن يتصدق بجزء من راتبه، بصيغة «كلما». أن يرث جميع ما على أي شخص يفكر فيه من ديون الصلاة والصيام والديون المالية، كلما مارس الاستمناء، بصيغة «كلما». وكان زيد حين نذر هذه النذور مقلدًا لابن حجر، الذي يرى أن النذر يُخرج المال المنذور من ملك صاحبه فورًا. ثم بعد هذه الواقعة، أصيب زيد بمشكلات نفسية وعقلية شديدة، فأصبح أحيانًا عاجزًا عن الكلام، وأصابه خوف شديد للغاية، ولم يعد يستطيع النوم، وأصبحت أسرته قلقة جدًا على حالته، وتدهورت صحته النفسية تدهورًا بالغًا. فإذا قرر الأطباء أن إحدى الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تعافيه بسرعة كبيرة هي التحلل من هذه النذور وإسقاط التزاماتها، وأن ذلك يُعد وسيلة معترفًا بها طبيًا في مثل هذه الحالات، فهل يجوز إسقاط جميع نذور زيد والتحلل منها نهائيًا بكفارة واحدة فقط، بما في ذلك النذور المعلّقة بصيغة «كلما»؟ وإذا أصبحت معاناة زيد نفسية بالدرجة الأولى، وكان من المرجح جدًا أن يستمر في المعاناة حتى لو أصبح غنيًا للغاية، وكانت لديه القدرة المالية الكافية، بل وأكثر من الكافية، للوفاء بجميع هذه النذور، فهل يجوز له رغم ذلك التحلل منها بالكفارة بسبب حالته النفسية الشديدة؟ وهل يؤدي التحلل من هذه النذور بالكفارة إلى عودة ملكيته لجميع أمواله وممتلكاته، إذا كانت لا تزال جميعها موجودة ماديًا في يده وتحت تصرفه، رغم أنه كان قد قلّد ابن حجر في القول بخروج المال المنذور من ملك صاحبه فور النذر؟ وإذا لم يكن التحلل من النذور المعلّقة بصيغة «كلما» جائزًا لزيد، رغم حالته النفسية البالغة الشدة، فهل يجوز له بدلًا من ذلك
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا يمكن الحكم بأن جميع النذور المذكورة تنحل نهائيًّا بكفارة واحدة لمجرد وجود المرض النفسي، ولا أن جميعها انعقدت أصلًا. بل يُنظر في كل نذر ثبت التلفظ به: هل هو صحيح؟ وهل تحقق شرطه؟ وهل يقدر زيد على الوفاء به دون ضرر معتبر؟
وبيان ذلك بالأدلة:
أولًا: نذر الطاعة الصحيح يجب الوفاء به عند القدرة.
قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
وقال النبي ﷺ: «مَن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومَن نذر أن يعصيه فلا يعصه». رواه البخاري (٦٦٩٦).
فإذا كان زيد قد نذر صدقة صحيحة قاصدًا التقرب بها، ولم يكن نذره من نذر اللجاج، فالأصل الوفاء بها عند القدرة. ولا يُجعل مجرد دفع كفارة اليمين بديلًا عن كل نذر طاعة صحيح مع القدرة على الوفاء.
ثانيًا: المرض النفسي الشديد والضرر معتبران، ولو كان زيد غنيًّا.
قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فالغنى لا يمنع أن يكون الإنسان عاجزًا بسبب مرضه أو متضررًا ضررًا شديدًا. فإذا قرر الطبيب الموثوق أن الوفاء بنذر معين يسبب لزيد ضررًا نفسيًّا شديدًا، وجب أخذ ذلك في الاعتبار، وقد يقتضي تأخير الوفاء أو اعتبار العجز عنه بحسب الحال.
لكن لا يكفي مجرد احتمال تحسن حالته بالتحلل للجزم بأن جميع النذور الصحيحة تسقط بكفارة واحدة؛ فحكم الكفارة وتأثيرها يتوقف على نوع النذر وحقيقة العجز، وهل هو مؤقت أو مستمر. وقد ذكر الشيخ ابن باز رحمه الله أن المريض يؤخر الوفاء بنذر الطاعة حتى يستطيع، وأنه يؤديه بحسب طاقته. binbaz.org.sa
ثالثًا: نذر الأفكار والخواطر لا يجعل كل خاطرة نذرًا ملزمًا.
قال النبي ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم». رواه البخاري (٥٢٦٩) ومسلم (١٢٧).
وعليه، فلا تتحول الأفكار الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية بمجرد هذا القول إلى نذور يجب الوفاء بها، ولا يلزمه عدُّها أو تتبُّعها.
رابعًا: لا تنتقل إليه ديون الآخرين وصلواتهم وصيامهم بمجرد هذا النذر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
فمجرد قوله إنه يتحمل ما على كل شخص يفكر فيه لا ينقل إليه هذه الالتزامات على الصورة المذكورة، ولا يصح اعتبار ذلك نذر قربة ملزمًا.
خامسًا: لا يُحكم بأن جميع أمواله وبيوته خرجت من ملكه لمجرد أنه قلَّد قولًا فقهيًّا.
يجب أولًا التحقق من صحة النذر، وصيغته، وهل المال معين أو غير معين، وهل تحقق الشرط في النذر المعلَّق. ولا يجوز الجزم بخروج جميع أمواله الحالية والمستقبلية من ملكه بناءً على الوصف العام في السؤال.
وكذلك لا يمكن الجزم بأن الكفارة تُعيد إليه ملك كل مال معين على القول الذي نسبته إلى ابن حجر، قبل التحقق من عبارته وتنزيلها على ألفاظ النذر. لذلك يبقى المال في يده، ولا يتصرف بإخراج بيته أو جميع أمواله بناءً على الشك والافتراض.
وقد قال النبي ﷺ لكعب بن مالك رضي الله عنه، حين أراد أن يتصدق بماله كله: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك». رواه البخاري (٢٧٥٧) ومسلم (٢٧٦٩).وهذا دليل على أنه لا يُدفع الإنسان إلى إخراج جميع ماله دون نظر في حاله وحكم ما التزمه
سادسًا: لفظ «كلما» لا يُنشئ عددًا لا نهائيًّا من الالتزامات الواقعة دفعة واحدة. وقد يدل على تكرار الحكم عند تكرر الشرط إذا صح النذر، لكن لا يُحكم على النذور كلها بأنها تنحل بكفارة واحدة، ولا بأنها تتكرر بلا نهاية، دون معرفة الصيغة كاملة والشرط وما وقع منه.
فالواجب الآن أن يعرض زيد الألفاظ التي يتيقن أنه تلفظ بها على مفتٍ موثوق، مع تقرير الطبيب، ليحدد ما انعقد منها وما يلزمه فيه. ولا يُطالب بإحصاء خواطره أو النذور التي يشك فيها.
