الأسرة
نصي

حكم ثلاث طلقات تخللتها رجعات، والوطء بعد الطلقة الثالثة

14 أكتوبر، 2026 · الشيخ الدكتور حسان سليم بليدي · وقت القراءة: دقيقة واحدة
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ، أحسن الله إليكم، وبارك في علمكم، ونفع بكم. أرجو من فضيلتكم التكرم بالإجابة عن مسألتي، فإنها تؤرقني كثيرًا، ونحن بحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي فيها. الموضوع: حكم ثلاث طلقات تخللتها رجعات، وهل حصلت البينونة الكبرى؟ وقع بيني وبين زوجي ثلاث طلقات في أوقات متفرقة، وتخللتها رجعات، ونريد معرفة هل الطلقات الثلاث واقعة شرعًا، وهل حصلت البينونة الكبرى أم لا. تفصيل المسألة: أولًا: الطلقة الأولى طلقني زوجي وهو هادئ، مختار، ومدرك لما يقول، وكنا لا نزال نسكن في منزل واحد. وخلال عدة هذه الطلقة، وقعتُ في الزنا مع رجل أجنبي غير زوجي. ثم راجعني زوجي قبل انقضاء عدتي. وبعد هذه الرجعة، حصلت منه رجعة أخرى بقصد الوطء فقط، دون نية استدامة النكاح أو استئناف الحياة الزوجية. ثانيًا: الطلقة الثانية بعد الرجعة الأخيرة التي قصد بها مجرد الوطء، طلقني زوجي مباشرة، وكان هادئًا، غير غاضب، وكنت حينها في طهر. ثم راجعني بعد هذه الطلقة رجعة صريحة بالقول والفعل، مع نية استدامة النكاح واستئناف الحياة الزوجية. فعُدنا إلى حياتنا الزوجية المعتادة، واستمررنا معًا نحو سنة. ثالثًا: الطلقة الثالثة بعد نحو سنة، طلقني زوجي مرة أخرى، وكان حزينًا ومتأثرًا، لكنه لم يكن غاضبًا، وكان مدركًا لما يقول. وبعد هذا الطلاق، حصل بيننا الوطء عدة مرات، مع اعتقادنا أن الطلاق الثالث قد أوقع البينونة الكبرى، وأننا لم نعد زوجين شرعًا. ونحن نادمون على ما وقع منا، ونريد التوبة إلى الله وتصحيح وضعنا وفق أحكام الشرع. وأسئلتي لفضيلتكم هي: ١. هل يؤثر الزنا الذي وقع مني مع رجل أجنبي أثناء عدة الطلقة الأولى في صحة الرجعة أو في أحكام العدة؟ ٢. هل كانت الرجعة الأولى التي حصلت قبل انقضاء العدة صحيحة شرعًا؟ ٣. هل تصح الرجعة التي قصد بها الزوج مجرد الوطء دون نية استدامة النكاح؟ وما أثر ذلك في حكم الطلقة الثانية؟ ٤. هل تُحتسب الطلقات الثلاث المذكورة شرعًا، أم أن هناك ما يؤثر في صحة بعضها أو وقوعها؟ ٥. هل حصلت البينونة الكبرى، أم يوجد وجه شرعي معتبر يجيز لنا العودة إلى النكاح؟ ٦. ما حكم الوطء الذي وقع بيننا بعد الطلقة الأخيرة مع اعتقادنا انتهاء النكاح؟ وما الذي يجب علينا فعله الآن؟ فضيلة الشيخ، نحن لا نريد التحايل على أحكام الله ولا تتبع الرخص، وإنما نريد معرفة الحكم الشرعي الصحيح والعمل بما جاء في الكتاب والسنة. والله إن هذه المسألة قد سببت لي حزنًا وألمًا نفسيًا شديدين، ورغم توكلي على الله ومحاولتي الرضا بقضائه وشرعه، فإن المعاناة شديدة عليّ. فأرجو منكم التكرم بالإجابة عن أسئلتي، فإننا نريد التوبة النصوح والخروج من الحرام، وتصحيح وضعنا بما يرضي الله عز وجل. أسأل الله أن يبارك فيكم وفي علمكم، وأن يجزيكم عنا خير الجزاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بناءً على الوقائع المذكورة، مع صحة الرجعات وصدور ألفاظ الطلاق الصريحة، وعلى قول جمهور الفقهاء في احتساب الطلاق البدعي، يكون الجواب كالتالي:

١. الطلقة الأولى: تقع وتُحسب.

ذكرتِ أن زوجكِ طلّقكِ وهو هادئ، مختار، ومدرك لما يقول؛ فالأصل وقوع هذه الطلقة. وإذا راجعكِ رجعة صحيحة قبل انتهاء العدة، فقد عُدتِ إلى الزوجية، لكن الرجعة لا تمحو الطلقة الأولى، بل تبقى محسوبة عليه.

قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].

أما الزنا الذي وقع أثناء العدة، فهو كبيرة تجب التوبة منها، لكنه لا يُلغي الطلقة ولا يُبطل الرجعة بمجرده. وتبقى أحكام الاستبراء والحمل، إن وُجد، بحاجة إلى بيان مستقل.

٢. الطلقة الثانية: تقع وتُحسب على قول جمهور الفقهاء.

بعد صحة الرجعة الأولى أصبحتِ زوجته، فلا تحتاجان إلى رجعة أخرى ما لم يقع طلاق جديد. ولذلك فإن ما وصفتِه بأنه «رجعة بقصد الوطء» لا يغيّر أصل الزوجية القائمة، وعدم نية الزوج الاستمرار مستقبلًا لا يُنهي النكاح.

فإذا طلّقكِ بعد ذلك، وقعت الطلقة الثانية عند الجمهور. وإن وقع الطلاق في الطهر نفسه الذي جامعكِ فيه، وأنتِ ممن تحيضين ولم يتبيّن حملكِ، فهو طلاق بدعي محرّم، لكنه محسوب عند الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ»، متفق عليه.

ومن أدلة الجمهور على احتساب الطلاق البدعي أن طلقة ابن عمر التي أوقعها في الحيض احتُسبت عليه؛ ففي صحيح البخاري عنه: «حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ». ويقرر الجمهور أن مخالفة الوقت المشروع توجب الإثم، ولا تمنع وقوع الطلاق. وهذه مسألة خلافية؛ فالجواب هنا مبني على قولهم.

٣. الطلقة الثالثة: تقع، وتحصل بها البينونة الكبرى.

ذكرتِ أنه راجعكِ بعد الطلقة الثانية رجعة صحيحة، ثم استأنفتما الحياة الزوجية نحو سنة، وبعد ذلك طلّقكِ وهو مختار ومدرك لما يقول. الحزن والتأثر وحدهما لا يمنعان وقوع الطلاق؛ فتكون هذه الطلقة الثالثة، متى ثبتت صحة ما سبق ولم يوجد مانع آخر مؤثر.

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

وعليه: الأولى محسوبة، والثانية محسوبة على قول الجمهور، والأخيرة هي الثالثة؛ فتكون البينونة كبرى، وليست صغرى.

ولا يعيدكما الجماع بعد الثالثة إلى الزوجية، ولا يكفي عقد جديد بينكما. وإنما تحلين له بعد زواج صحيح حقيقي بزوج آخر يحصل فيه الدخول، ثم ينتهي بطلاق أو وفاة، وتنقضي عدته؛ دون ترتيب زواج للتحليل. واشتراط الدخول ثابت في حديث امرأة رفاعة، المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها.

أما الجماع بعد الطلقة الثالثة، فإذا ثبتت البينونة الكبرى فهو محرّم، وتجب التوبة منه والتوقف عنه. ولا تُسقط التوبة عدد الطلقات، لكنها تمحو الذنب بإذن الله إذا صدقت؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].

وهذا الحكم مبني على صحة روايتكِ؛ 

والله أعلم.

تواصل مباشر

هل لديك سؤال مشابه؟

أرسل سؤالك الشرعي للشيخ الدكتور حسان سليم بليدي وسيتم الرد عليه بعلم وأمانة وفق منهج أهل السنة والجماعة، مجاناً وبلا مقابل.