السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شيخنا، بارك الله فيكم، لقد اختلطت علينا الأمور، ولا سيما مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؛ فقد كثر المتصدرون للفتوى، وأصبح بعض الناس ينصّبون أنفسهم للإجابة عن مسائل الدين، مع أننا لا نعرف مقدار علمهم ولا أهليتهم للإفتاء. ونسمع في المسألة الواحدة أجوبة متعارضة، فلا ندري ممّن نأخذ، ولمن نستمع، وبقول مَن نعمل. فمَن هم أهل الفتوى الذين يجوز سؤالهم والأخذ عنهم؟ وكيف نميّز العالم المؤهل للإفتاء ممّن يتكلم في دين الله بغير علم؟ وهل كثرة المتابعين، أو شهرة المتحدث، أو حسن أسلوبه، تكفي للاعتماد على فتاواه؟ وبماذا تنصحوننا حتى نأخذ ديننا من أهله، ونسلم من الفتاوى الباطلة والأقوال المخالفة للكتاب والسنة؟ وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكِ أيتها الأخت، إن معرفة مَن يُؤخذ عنه العلم مسألة عظيمة؛ لأن الفتوى بيان لحكم الله تعالى، فلا يجوز أن يتصدر لها مَن لم يتأهل، ولا أن يجعل المسلم شهرَة المتحدث وكثرة متابعيه دليلًا على علمه.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فأمر سبحانه بسؤال أهل العلم، وقال محذرًا من القول عليه بغير علم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم خطر تصدّر الجهّال للفتوى؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا»، رواه البخاري (100)، ومسلم (2673).
فأهل الفتوى هم العلماء المؤهلون، المعروفون بالعلم والديانة والأمانة، الذين درسوا الكتاب والسنة، وتفقهوا في معانيهما، وعرفوا قواعد الاستدلال وأصول الفقه، وما يحتاج إليه في المسألة من اللغة والإجماع وأقوال العلماء. ويجمعون إلى ذلك فهم واقع السؤال؛ فلا يحكمون على واقعة قبل تصورها، ولا يجزمون بما لا يعلمون.
وليس من شرط المفتي أن يعرف جواب كل سؤال؛ بل من أمانته أن يقول: «لا أعلم» فيما لم يتبين له، وأن يحيل المسائل التي تتجاوز اختصاصه إلى من هو أعلم بها.
أما كيف تعرفين أهل العلم، فاسألي عنهم العلماء وطلبة العلم الموثوقين، وانظري إلى اشتهارهم بالعلم بين أهله، وإلى دراستهم وتلقيهم وشهادة أهل الاختصاص بكفاءتهم. ولا تكفي الشهادة الجامعية وحدها، ولا كثرة المتابعين، ولا فصاحة اللسان، ولا القدرة على التأثير في الناس لإثبات أهلية الإفتاء. فقد يكون الإنسان واعظًا حسن الأسلوب، ولكنه غير مؤهل للخوض في دقائق الأحكام والنوازل.
وقد قال محمد بن سيرين رحمه الله: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وهذا من كلام ابن سيرين، وليس حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا يلزم العاميَّ أن يصبح قادرًا على الترجيح بين الأدلة حتى يسأل؛ وإنما عليه أن يتحرى المفتي المعروف بالعلم والاستقامة. وإذا نقل شخص فتوى لعالم موثوق، فليُتحقق من صحة النقل ومن انطباقها على السؤال؛ فإن نقل الفتوى لا يجعل ناقلها مؤهلًا للإفتاء من عند نفسه.
وإذا اختلفت عليكِ الفتاوى، فلا تختاري ما يوافق رغبتكِ لمجرد سهولته، بل ارجعي إلى من تثقين بعلمه ودينه، واطلبي منه بيان ما أشكل عليكِ. وليس كل اختلاف دليلًا على الجهل أو الانحراف؛ فقد يختلف العلماء المؤهلون في مسائل الاجتهاد، مع اتفاقهم على تعظيم الكتاب والسنة ووجوب اتباعهما.
واحذري المقاطع المبتورة والفتاوى المجهولة؛ فقد يكون الجواب متعلقًا بحالة خاصة، أو مبنيًا على شروط لم تُذكر في المقطع. وفي مسائل الطلاق والمواريث والمعاملات ونحوها، اعرضي التفاصيل كاملة على أهل الاختصاص، ولا تكتفي بجواب عام وجدته في وسائل التواصل.
فالزمي أهل العلم المعروفين بالرسوخ والاستقامة، وتعلمي ما تحتاجين إليه من أحكام دينكِ، ولا تنشري فتوى حتى تتحققي من مصدرها. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، وأن يحفظنا من القول عليه بغير علم.
والله أعلم.
