الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تُعدّ الفتوى من الوظائف العلمية الدقيقة في الشريعة الإسلامية؛ إذ تتعلق ببيان الأحكام وتنزيلها على الوقائع، وقد تتصل بعبادات الناس، وأموالهم، وأنكحتهم، وحقوقهم. ومن ثمّ فإن تحديد أهل الفتوى يقتضي النظر في مؤهلاتهم العلمية وأمانتهم، والتمييز بين القدرة على الوعظ والتعليم وبين الأهلية للإفتاء.
وتهدف هذه المقالة إلى بيان مفهوم أهل الفتوى، وأبرز شروط تأهلهم، وضوابط اختيار المفتي، مع توضيح الفرق بين إنشاء الفتوى ونقلها.
مفهوم الفتوى وأهلها
الفتوى بيان الحكم الشرعي في واقعة أو مسألة لمن يسأل عنه، دون أن تكون في ذاتها حكمًا قضائيًا ملزمًا. أما القضاء فيتعلق بالفصل في الخصومات وإلزام أطرافها وفق اختصاص القاضي وإجراءات الإثبات.
وأهل الفتوى هم المؤهلون لبيان الحكم الشرعي في حدود علمهم، بما يمتلكونه من معرفة بالأدلة، وقواعد فهمها، وأقوال الفقهاء، والقدرة على تصور الوقائع وتنزيل الأحكام عليها.
ولا تنحصر الأهلية في مجرد حفظ المعلومات؛ بل تتطلب ملكة علمية تمكّن صاحبها من التمييز بين المسائل، وفهم مناط الحكم، ومعرفة حدود ما يستطيع الجواب عنه.
وقد بيّن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أن المرجع في الإفتاء هو المتفقه في الكتاب والسنة، المعروف عند أهل العلم بالأهلية، وأن مجرد الانتساب إلى العبادة أو الدعوة لا يكفي لإثبات ذلك.
الأصل الشرعي في الرجوع إلى أهل العلم
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وقد وردت الآية في سياق إثبات بشرية الرسل، وسؤال أهل المعرفة بالكتب السابقة، ويستدل أهل العلم بها على أصل رجوع غير العالم إلى أهل المعرفة فيما يجهله. وهذا الرجوع لا يعفي السائل من تحري أهلية من يستفتيه، كما لا يبيح لمن يُسأل أن يتجاوز حدود علمه.
وتتأكد هذه المسؤولية بقول النبي ﷺ في وصف تصدر الجهال: «فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»؛ رواه البخاري، رقم (١٠٠). فالحديث يبين أن الإفتاء بغير علم قد يؤدي إلى ضلال المفتي وإضلال المستفتي، وهو ما يقتضي التثبت في التأهل والتلقي معًا.
المؤهلات العلمية للمفتي
تختلف سعة المعرفة المطلوبة باختلاف مرتبة المفتي وطبيعة المسائل التي يتصدى لها؛ فليس الإفتاء في مسألة محددة كالإفتاء في النوازل العامة. ومع ذلك، فإن أبرز عناصر التأهل تتمثل فيما يأتي:
١. معرفة الأدلة المتعلقة بالمسألة: وذلك بالرجوع إلى القرآن والسنة، وفهم النصوص في سياقها، وعدم الاقتصار على دليل منفرد مع إغفال ما يتعلق به من أدلة أخرى.
٢. معرفة قواعد الاستدلال: ومنها دلالات الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وطرق الجمع بين الأدلة، وشروط الترجيح والنسخ. وهذه المعرفة تمنع الاستدلال المجتزأ أو المتعجل.
٣. القدرة على التعامل مع السنة: بحيث يعرف المفتي درجة الحديث الذي يبني عليه الحكم، إما بأهليته في هذا الفن، أو بالرجوع إلى تحقيق أهل الاختصاص الموثوقين، مع فهم دلالته الفقهية.
٤. معرفة ما يحتاج إليه من لغة العرب: لأن فهم الخطاب الشرعي يتوقف على إدراك معاني ألفاظه وأساليبه، ولا يصح بناء الأحكام على معانٍ لغوية غير ثابتة.
٥. معرفة الإجماع والخلاف الفقهي: حتى لا يخالف إجماعًا ثابتًا، أو ينسب الاتفاق إلى مسألة مختلف فيها، أو يغفل قولًا معتبرًا يؤثر في بحثه.
٦. القدرة على البحث والمراجعة: فالأهلية لا تتحدد بحفظ عدد معين من الأحاديث، وإنما بامتلاك القدرة العلمية على الوصول إلى الأدلة وفهمها واستنباط الحكم منها. وقد قرر الشيخ ابن باز هذا المعنى في بيان أهلية المفتي.
وقد أكد كذلك أهمية أصول الفقه وطرق الجمع والترجيح، وضرورة التوقف إذا لم يتضح وجه الحكم.
تصور الواقعة وتحقيق مناط الحكم
لا تكتمل الفتوى بمجرد معرفة الحكم العام؛ إذ يجب التحقق من انطباقه على الواقعة المسؤول عنها. فقد يكون الحكم صحيحًا في أصله، ويكون تطبيقه على حالة معينة غير صحيح بسبب اختلاف مؤثر في تفاصيلها.
ولهذا ينبغي للمفتي أن يستوضح الوقائع المحتملة، ويميز بين ما ثبت وما ادعاه أحد الأطراف، وبين الحكم العام والحكم على الشخص المعين. وتتأكد هذه الحاجة في مسائل الطلاق، والمواريث، والجنايات، والعقود المركبة.
كما يستعين بأهل الخبرة عندما يتوقف تصور المسألة على معرفة تخصصية؛ فالطبيب يبين الحالة الطبية، والخبير المالي يوضح حقيقة المعاملة، ثم ينظر المفتي في الحكم الشرعي بناءً على هذا البيان. ولا تستلزم الخبرة الطبية أو المالية بذاتها أهلية صاحبها للإفتاء، كما لا يغني التأهل الشرعي عن الخبرة اللازمة لفهم الواقعة.
الأمانة والورع في ممارسة الإفتاء
إلى جانب التأهل العلمي، يحتاج المفتي إلى الصدق والإنصاف والتثبت. ومن مقتضيات ذلك ألا يكيف الجواب لإرضاء السائل، وألا يتشدد طلبًا للمكانة، وألا يخفي شروط الحكم أو خلافًا معتبرًا يتعلق بالمسألة.
ومن الأمانة أن يصرح بدرجة ما انتهى إليه؛ فيميز بين الحكم المتفق عليه، والقول الراجح عنده، والمسألة التي تحتاج إلى مزيد من البحث. كما أن قوله: «لا أعلم» أو إحالته السؤال إلى من هو أعلم من مظاهر ضبط المسؤولية العلمية.
ولا تعني أهلية المفتي عصمته من الخطأ؛ وإنما تعني امتلاكه أدوات النظر المعتبرة، والتزامه بها، واستعداده لمراجعة قوله متى تبين له ما يوجب ذلك.
مراتب التأهل وحدود الاختصاص
ليس أهل الفتوى على مرتبة واحدة؛ فبينهم من يتسع نظره لأبواب متعددة، ومن يختص بباب أو نوع من المسائل، ومن يعتمد على نقل الأحكام المعتمدة وبيانها ضمن حدود علمه.
وبناءً عليه، لا يجوز جعل أهلية الإنسان في مجال معين دليلًا على أهليته في جميع أبواب الفقه. كما لا يلزم أن يكون كل من يجيب عن مسألة مؤهلًا للاجتهاد المطلق؛ وإنما المطلوب أن تكون أهليته مناسبة لما يتصدى له، وأن يميز بين النقل والبحث والترجيح.
الشهادات العلمية والشهرة وأهلية الفتوى
الشهادات والإجازات والتدريس قرائن قد تدل على الدراسة والتحصيل، لكنها لا تثبت بمفردها أهلية صاحبها لكل فتوى. وكذلك الإمامة والخطابة وحسن الوعظ لا تستلزم القدرة على بحث النوازل وتنزيل الأحكام عليها.
أما الشهرة وكثرة المتابعين فلا تصلحان معيارًا مستقلًا للأهلية؛ فقد يشتهر الإنسان ببلاغته أو نشاطه الإعلامي، دون أن يكون متخصصًا في الفقه والإفتاء. والأقرب إلى الاعتبار معرفة أهل العلم بحقيقة تحصيله، وما يظهر من ضبطه للمسائل وأمانته في النقل والاستدلال.
التمييز بين المفتي وناقل الفتوى
ناقل الفتوى يحكي جواب غيره، ويلزمه ضبط النص ونسبته إلى صاحبه والمحافظة على شروطه وقيوده. أما المفتي فينظر في المسألة ويبين حكمها بناءً على أهلية علمية.
وقد يصح نقل فتوى عامة، ولا يصح تطبيقها على واقعة جديدة دون تحقق؛ لأن الاشتراك في بعض الأوصاف لا يستلزم اتحاد الحكم. ولذلك ينبغي للناقل ألا يعرض كلام العالم وكأنه جواب عن حالة لم تُعرض عليه، وألا يحذف تفصيلًا مؤثرًا في النتيجة.
وينطبق هذا الضابط على الكتب والمقاطع والمنشورات والأدوات الرقمية؛ فهي وسائل للوصول إلى المادة العلمية، ولا تمنح مستخدمها بمجرد الوصول إليها أهلية الإفتاء.
ضوابط اختيار المفتي ومسؤولية المستفتي
ينبغي للمستفتي أن يرجع إلى من عُرف بالعلم والأمانة، وأن يتحرى اختصاصه بالمسألة عند الحاجة، مستعينًا بمعرفة أهل العلم الموثوقين.
كما يجب عليه عرض الواقعة بصدق، وذكر تفاصيلها المؤثرة، وعدم حذف ما قد يغير الحكم. وعند اختلاف الأجوبة، يطلب التوضيح من عالم موثوق أعلم بالمسألة، دون أن يجعل غرضه مجرد الوصول إلى الجواب الموافق لرغبته.
فالفتوى عملية علمية تتوقف سلامتها على أهلية المفتي، وصحة المعلومات المقدمة إليه، ودقة فهم السائل للجواب.
يتبين مما سبق أن أهل الفتوى يُعرفون بالتأهل العلمي والأمانة وحسن تنزيل الأحكام، وأن المرجعية في الدين لا تثبت بالألقاب أو الشهرة وحدهما. كما أن التوقف عند حدود المعرفة، والاستعانة بالمتخصصين، والرجوع عن الخطأ، من مقومات الإفتاء الرشيد وحفظ حقوق المستفتين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى.
