القول على الله بغير علم وإصدار الفتاوى الباطلة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات؛ لأنه يتضمن نسبة حكم إلى الله تعالى دون حجة، وقد يترتب عليه إضلال الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، واستباحة حقوقهم، وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه. ولهذا جاءت النصوص بالتحذير منه، وبيان مسؤولية من يتصدر لتعليم الناس وإفتائهم.
والفتوى أمانة عظيمة؛ فالمفتي يبين للسائل حكم الشرع بحسب ما يملكه من علم وفهم للأدلة والواقعة. وكلما عظمت آثار الفتوى، اشتدت الحاجة إلى التثبت والتحري، والبعد عن التسرع والهوى.
القول على الله بغير علم في القرآن الكريم
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
فالآية نص صريح في تحريم القول على الله بغير علم. ويدخل فيه الجزم بأن الله أوجب أمرًا، أو حرمه، أو أحله، دون مستند شرعي معتبر.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].
فالحلال والحرام حكمان شرعيان، لا يثبتان بمجرد الاستحسان أو الاستقباح، ولا بما اعتاده الناس أو وافق رغباتهم؛ وإنما مردهما إلى الأدلة الشرعية وفهمها فهمًا صحيحًا.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وهذا أصل عظيم في التثبت، وترك الجزم بما لا يعلم الإنسان، ويتأكد ذلك في الكلام عن دين الله.
التصدر للفتوى بغير أهلية سبب للضلال
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».
رواه البخاري، رقم 100، ومسلم، رقم 2673.
وهذا الحديث يبين أن التصدر بغير علم لا يقتصر ضرره على صاحبه؛ فقد يحمل الناس على اعتقاد الباطل والعمل به. وليس كل من أحسن الكلام، أو كثر متابعوه، أو اشتهر بين الناس، مؤهلًا للفتوى؛ وإنما العبرة بالعلم والأمانة والقدرة على فهم المسائل وأدلتها.
كما أن حفظ نص أو معرفة فتوى واحدة لا يكفي للحكم على جميع الوقائع المشابهة في ظاهرها؛ فقد تختلف الأحكام باختلاف تفاصيل مؤثرة لم ينتبه إليها المتكلم.
ما المقصود بالفتاوى الباطلة؟
الفتوى الباطلة هي الفتوى غير الصحيحة، وقد ينشأ بطلانها عن مخالفة دليل ثابت صريح، أو إجماع صحيح، أو الاستناد إلى معلومات غير صحيحة، أو سوء فهم النص، أو عدم تصور الواقعة، أو الكلام دون أهلية.
ومن صور الخلل أن يصدر الإنسان حكمًا قبل معرفة تفاصيل السؤال، أو يستدل بنص دون النظر في بقية الأدلة، أو ينسب إلى العلماء قولًا لم يقولوه، أو يقدم رأيه الشخصي على أنه حكم شرعي ملزم.
لكن ينبغي التفريق بين بطلان الفتوى ومسؤولية صاحبها؛ فالحكم على القول بأنه خطأ لا يستلزم أن قائله تعمد الكذب، ولا أن كل خطأ في الفتوى من القول على الله بغير علم. فقد يقع الخطأ من عالم مؤهل بذل وسعه في البحث، وقد يصدر من جاهل متصدر، وقد يقع بسبب تفريط أو هوى، ولكل حال حكمها.
الفرق بين خطأ المجتهد وفتوى الجاهل
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
رواه البخاري، رقم 7352، ومسلم، رقم 1716.
فهذا الحديث يتعلق بمن كان أهلًا للاجتهاد وبذل وسعه في طلب الحق. أما من لا يملك أدوات النظر والاستنباط، فلا يصير مجتهدًا بمجرد أن يقول: «هذا اجتهادي».
والعالم المؤهل إذا أخطأ لا يُتبع في خطئه، مع حفظ قدره والاعتراف بفضله، وبيان الصواب بالدليل والأدب. كما لا يجوز وصف كل فتوى مخالفة لاختيارنا بأنها باطلة؛ فهناك مسائل اجتهادية معتبرة تختلف فيها أنظار العلماء، ولا يصح جعل الاختلاف فيها دليلًا على الجهل أو سوء القصد.
حسن النية لا يغني عن العلم
قد يتكلم الإنسان في الدين رغبة في مساعدة غيره، لكن الرغبة في الخير لا تمنحه أهلية الإفتاء. فمن أراد نفع السائل ولم يعلم الحكم، فليدله على عالم موثوق، أو ينقل له فتوى ثابتة بأمانة مع مراعاة انطباقها على سؤاله.
أما أن يخمن الحكم ثم يجزم بأنه شرع الله، فذلك تجاوز لحدود علمه. والواجب أن يميز بين ما يعلمه، وما ينقله، وما لم يتبين له.
قول «لا أعلم» من الأمانة العلمية
ليس مطلوبًا من العالم أن يجيب عن كل سؤال فورًا؛ فقد يحتاج إلى مراجعة الأدلة، أو سؤال المستفتي عن تفاصيل أخرى، أو استشارة أهل الخبرة.
وقول «لا أعلم» يحفظ صاحبه من التقول، ويحفظ السائل من العمل بجواب غير محقق. فالسكوت عند عدم العلم خير من جواب يورث الناس حيرة أو ظلمًا أو فسادًا في عباداتهم ومعاملاتهم.
ومن الأمانة أيضًا ألا يخجل المفتي من مراجعة قوله وتصحيحه إذا تبين له الخطأ؛ فإن المقصود هداية الناس إلى الحق، لا المحافظة على صورة المتكلم أمامهم.
واجب من أصدر فتوى خاطئة
من تبين له أنه أفتى خطأً، فعليه الرجوع إلى الصواب وبيانه لمن بلغه قوله بقدر استطاعته. وإذا نشر الفتوى علنًا، فليحرص على نشر التصحيح بطريقة تصل إلى من تأثروا بها.
وإن كان قد تكلم بغير علم أو فرط في التثبت، فعليه التوبة إلى الله، وترك التصدر فيما لا يحسنه. وقد يحتاج إصلاح آثار الفتوى إلى الرجوع لأهل العلم، خصوصًا إذا ترتبت عليها حقوق مالية أو أحكام أسرية أو أضرار بالآخرين.
والرجوع عن الخطأ فضيلة؛ إذ الأمانة تقتضي أن يكون الحق أحب إلى الإنسان من رأيه ومكانته.
مسؤولية المستفتي
كما يجب على المفتي أن يتقي الله في جوابه، يجب على المستفتي أن يتحرى أهل العلم الموثوقين، وألا يجعل معيار اختياره سهولة الجواب أو موافقته لرغبته.
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وعليه أن يصدق في عرض المسألة، ويذكر تفاصيلها المؤثرة؛ فإن إخفاء بعض الحقائق أو تغييرها قد يؤدي إلى جواب لا ينطبق على واقعه، ولا يجعل ذلك الجواب وسيلة لاستباحة حق غيره.
إن الكلام في دين الله يقتضي علمًا وتثبتًا وخشية، والفتوى أمانة لا مجال فيها للتخمين أو طلب الشهرة. فليتكلم الإنسان فيما يعلم، وليتوقف فيما يجهل، وليقبل التصحيح إذا ظهر له الحق؛ فإن سلامة الدين وحقوق الناس أعظم من رغبة المتكلم في أن يكون له جواب عن كل سؤال.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه فضيلة الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي.
مقالات علمية
