العالِم المجتهد: معناه وصفاته ومكانته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن بيان الأحكام الشرعية مسؤولية عظيمة، تحتاج إلى علم وبصيرة وأمانة؛ لأنها تتعلق بما ينسب إلى دين الله من أحكام الحلال والحرام، والوجوب والاستحباب. ومن المصطلحات التي اعتنى العلماء ببيانها مصطلح «العالِم المجتهد»؛ فهو وصف لمرتبة علمية تقوم على القدرة على فهم الأدلة واستنباط الأحكام منها، وله شروط وضوابط ينبغي معرفتها.
معنى العالِم المجتهد
العالِم المجتهد هو من امتلك أدوات النظر في الأدلة الشرعية، وبذل وسعه للوصول إلى حكم المسألة التي يبحثها. وقد عرّف الزركشي الاجتهاد بأنه: «بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط». فالمجتهد يبحث عن الحكم من أدلته، ويستعمل في ذلك قواعد الفهم والاستدلال المعتبرة عند أهل العلم. islamweb.net
ولا تقتصر مهمته على ذكر الآية أو الحديث؛ بل ينظر في ثبوت الدليل، ودلالته، وما يتصل به من نصوص أخرى، ثم يسعى إلى فهم الحكم الذي تدل عليه الأدلة مجتمعة.
وقد بيّن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أن المجتهد هو الذي يملك العلم الكافي بما يجتهد فيه، والمعرفة بالأدلة الشرعية، فيتكلم عن علم وبصيرة. binbaz.org.sa
الفرق بين المجتهد وناقل أقوال العلماء
نقل كلام العلماء عمل نافع إذا أُدِّي بأمانة وفهم، لكنه لا يثبت وحده مرتبة الاجتهاد. فقد يحفظ الإنسان فتاوى كثيرة، ويعرف أقوال الفقهاء، ومع ذلك لا يستطيع تحقيق أدلتها أو الموازنة بينها.
أما المجتهد فيملك القدرة على دراسة الأقوال ومداركها، وفهم وجه الاستدلال، والنظر في الاعتراضات، والترجيح وفق قواعد علمية. ولهذا فهناك فرق بين معرفة الحكم من فتوى عالم، وبين استنباط الحكم من الأدلة. وقد أشار ابن باز رحمه الله إلى هذا الفرق في بيانه للمجتهد والمقلد. binbaz.org.sa
وهذه المرتبة لا تثبت بمجرد لقب «شيخ» أو «دكتور»، كما لا تُنفى لمجرد عدم حمل لقب أكاديمي؛ وإنما العبرة بحقيقة العلم، والتمكن من أدواته، والقدرة على استعمالها استعمالًا صحيحًا.
الأدوات العلمية التي يحتاج إليها المجتهد
يحتاج المجتهد إلى معرفة نصوص القرآن والسنة المتعلقة ببحثه، وما يلزم لفهمها والاستدلال بها. ومن ذلك معرفة اللغة العربية، ودلالات الألفاظ، وقواعد أصول الفقه، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ.
كما يحتاج إلى معرفة أقوال أهل العلم ومداركهم، ومواضع الإجماع المتصلة بالمسألة، والقدرة على جمع الأدلة والموازنة بينها. وقد ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله هذه المعارف ضمن ما يؤهل الباحث للاجتهاد في طلب الحكم الشرعي. old.binothaimeen.net
ومن تمام النظر أن يفهم المجتهد الواقعة التي يريد الحكم عليها؛ فإن الحكم على معاملة مالية، أو إجراء طبي، أو مسألة أسرية، يحتاج إلى تصور صحيح لتفاصيلها المؤثرة. وقد يستعين بأهل الاختصاص لمعرفة حقيقتها، ثم ينظر في حكمها الشرعي.
أمانة المجتهد وتجرّده في طلب الحق
العلم أمانة، والمجتهد مطالب بأن يقصد معرفة الحق، وأن يتحرى الدقة فيما ينسبه إلى الشريعة. فلا يجعل غايته موافقة رغبات الناس، أو الانتصار لرأي سبق أن اختاره.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
ومن مقتضى هذه الأمانة أن يتوقف العالم فيما لم يتبين له، وأن يقول: «لا أعلم» عند الحاجة، وأن يراجع بحثه إذا ظهرت له أدلة أو معلومات مؤثرة. فالرجوع إلى الحق فضيلة، والإصرار على القول بعد ظهور خطئه لا يخدم العلم ولا صاحبه.
المجتهد يصيب ويخطئ
بلوغ مرتبة الاجتهاد لا يمنح العالم العصمة؛ فقد يصيب الحكم، وقد يخطئ مع بذل الجهد وتحري الصواب.
وقد ثبت عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». رواه البخاري، رقم 7352، ومسلم، رقم 1716. dorar.net
وهذا الفضل يتعلق بالمؤهل للاجتهاد الذي يبذل وسعه في طلب الحق؛ فالمصيب يؤجر على اجتهاده وإصابته، والمخطئ يؤجر على اجتهاده ويُعذر في خطئه. أما الكلام في الدين بغير علم، فلا يدخل في الاجتهاد المعتبر لمجرد أن صاحبه يسميه اجتهادًا. binbaz.org.sa
كما أن عذر العالم في خطئه لا يعني صحة قوله؛ فيجوز بيان الخطأ بالدليل والأدب، مع حفظ قدر العالم وفضله.
هل يكون الاجتهاد في بعض المسائل؟
قد يتمكن العالم من الاجتهاد في باب معين، أو في مسألة استوفى أدوات بحثها، دون أن يكون مؤهلًا للاجتهاد في جميع أبواب الشريعة. وقد قرر ابن عثيمين رحمه الله إمكان تجزؤ الاجتهاد في باب أو مسألة من مسائل العلم. old.binothaimeen.net
وهذا يقتضي أن يعرف الباحث حدود علمه؛ فلا ينقل قدرته في مجال إلى جميع المجالات دون تحقق الأهلية اللازمة. فكل مسألة تحتاج إلى ما يناسبها من معرفة الأدلة والقواعد وتصور الواقع.
مجال اجتهاد العالم
الاجتهاد مرتبط بالأدلة، ولا يسوغ استعماله لنقض حكم قطعي ثابت، أو مخالفة إجماع صحيح. وقد أكد ابن باز رحمه الله أن ما ثبت بالأدلة الشرعية الصريحة وإجماع سلف الأمة يجب قبوله والعمل به. binbaz.org.sa
ومع ذلك يبقى مجال واسع للبحث في دلالات النصوص، والجمع بينها، وتحقيق انطباق الأحكام على الوقائع، ودراسة النوازل المستجدة. وباب الاجتهاد باقٍ لمن تحققت فيه الأهلية العلمية، كما بيّن ابن باز رحمه الله. binbaz.org.sa
فالعالِم المجتهد صاحب علم وقدرة على الاستنباط، يبذل جهده في معرفة حكم الله، ويقف عند حدود ما يعلم، ويقبل التصحيح إذا ظهر له الدليل. ويُعرف فضله بما يحمله من علم وأمانة، مع بقاء أقواله قابلة للنظر والتمحيص؛ إذ العصمة للوحي، والواجب على الجميع طلب الحق واتباعه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي.
مقالات علمية
