مقالات علمية

معنى الاجتهاد عند العلماء وضوابط

9 أكتوبر، 2026 · · وقت القراءة: دقيقة واحدة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الاجتهاد من المصطلحات العلمية التي اعتنى بها علماء أصول الفقه؛ لما له من أثر في فهم الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها. وقد يقع الخطأ في فهمه حين يُظن أن كل رأي شخصي في الدين اجتهاد، أو أن حسن النية يكفي لتصحيح القول في الحلال والحرام. ولهذا كان من المهم بيان معناه، وشروطه، ومجاله، وحكم خطأ صاحبه.
أولًا: معنى الاجتهاد لغةً واصطلاحًا
الاجتهاد في اللغة يدل على بذل الجهد والطاقة في تحصيل أمر يحتاج إلى مشقة.
وأما في اصطلاح علماء أصول الفقه، فقد عرّفه الزركشي بقوله: «بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط». ومعناه أن يبذل الفقيه المؤهل طاقته في البحث والنظر في الأدلة، للوصول إلى الحكم الشرعي للمسألة التي يدرسها. فليس مجرد نقل فتوى من كتاب اجتهادًا بهذا المعنى، ولا يكفي أن يخطر للإنسان رأي فينسبه إلى الشرع. مباحث الاجتهاد- الجزء رقم8
والاجتهاد بهذا الاعتبار عمل علمي منضبط، يجمع بين معرفة الدليل، وفهم دلالته، والنظر في الأدلة الأخرى المتعلقة بالمسألة.
ثانيًا: الاجتهاد فهمٌ للشريعة واستنباطٌ منها
المجتهد لا يملك أن يجعل الحلال حرامًا، أو الحرام حلالًا بمجرد اختياره، وإنما يسعى إلى معرفة حكم الله من الأدلة الشرعية.
ولهذا بيّن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أن المجتهد هو من يملك العلم الكافي بالمسألة وأدلتها، ويتكلم فيها عن علم وبصيرة؛ أما من يأخذ أقوال العلماء دون القدرة على استنباطها من الأدلة، فهو ناقل أو مقلد بحسب حاله. موقع الشيخ ابن باز
ومن هنا يظهر الفرق بين الاجتهاد الشرعي والرأي المجرد؛ فالاجتهاد يقوم على الدليل وقواعد فهمه، أما الرأي المجرد فقد يقوم على الذوق، أو العادة، أو التأثر بالواقع، دون مستند شرعي صحيح.
ثالثًا: شروط الاجتهاد وأهلية المجتهد
لا تتحقق أهلية الاجتهاد بمجرد كثرة القراءة، أو حفظ بعض النصوص، أو القدرة على الكلام؛ بل يحتاج المجتهد إلى أدوات علمية تمكّنه من فهم الأدلة واستنباط الأحكام، ومن أبرزها:
– معرفة نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بالمسألة.
– معرفة ما يحتاج إليه من صحة الأحاديث وثبوتها.
– فهم اللغة العربية ودلالات الألفاظ.
– معرفة قواعد أصول الفقه، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ.
– الاطلاع على أقوال العلماء ومداركهم، ومعرفة مواضع الإجماع المتصلة بالبحث.
– القدرة على جمع الأدلة، وفهم العلاقة بينها، والترجيح عند الحاجة.
وقد أشار الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله إلى معرفة دلالات الألفاظ، وأدلة الكتاب والسنة، وقواعد فهمها، وأقوال أهل العلم، بوصفها من الأدوات التي يتمكن بها الإنسان من الاجتهاد فيما يبحثه. من هو المجتهد ؟
ويضاف إلى ذلك فهم الواقعة محل السؤال؛ فقد يكون الباحث عالمًا بالنصوص، لكنه يحكم على صورة لم يتصور حقيقتها تصورًا صحيحًا. ولذلك تحتاج بعض النوازل إلى الاستعانة بأهل الخبرة في الطب أو المال أو غيرهما، حتى يكون الحكم مبنيًا على واقع معلوم.
رابعًا: مجال الاجتهاد ومعنى «لا اجتهاد مع النص»
ليس كل حكم شرعي قابلًا لإعادة النظر على أساس الرأي؛ فما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، أو بإجماع صحيح، لا يسوغ الاجتهاد في نقضه. فلا يكون وجوب الصلوات الخمس، مثلًا، محل اجتهاد يراد به إسقاط وجوبها. وقد أكد ابن باز رحمه الله أن الأحكام الثابتة بالأدلة الصريحة وإجماع سلف الأمة يجب قبولها والعمل بها. binbaz.org.sa
أما عبارة «لا اجتهاد مع النص»، فلا تعني أن وجود أي نص يلغي كل بحث علمي؛ فقد يحتاج النص إلى التحقق من ثبوته، أو فهم دلالته، أو جمعه مع غيره، أو معرفة انطباقه على الواقعة. والممنوع هو معارضة الحكم الثابت الواضح برأي مجرد.
خامسًا: هل المجتهد مصيب في كل ما يقول؟
المجتهد بشر، يصيب ويخطئ. وقد ثبت عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
رواه البخاري، رقم 7352، ومسلم، رقم 1716. dorar.net
وهذا الفضل يتعلق بمن كان أهلًا للاجتهاد، وبذل وسعه في طلب الحق. فالمصيب يؤجر على اجتهاده وإصابته، والمخطئ يؤجر على اجتهاده، ويُعذر في خطئه؛ ولا يعني ذلك أن القول الخطأ يصبح صحيحًا أو يجب اتباعه. binbaz.org.sa
أما القول في الدين بغير علم، فلا يتحول إلى اجتهاد معتبر بمجرد تسميته اجتهادًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
سادسًا: هل يتجزأ الاجتهاد؟ وهل بابه مفتوح؟
قد يبلغ العالم أهلية الاجتهاد في باب معين أو مسألة معينة، دون أن يكون مجتهدًا في جميع أبواب الشريعة. والعبرة بتحقق الأدوات المطلوبة في المسألة التي ينظر فيها، لا بمجرد الدعوى. وقد قرر ابن عثيمين رحمه الله إمكان تجزؤ الاجتهاد في باب أو مسألة من مسائل العلم. من هو المجتهد ؟
وباب الاجتهاد مفتوح لمن تحققت فيه أهليته؛ فظهور مسائل جديدة يقتضي بحثها وردّها إلى أصول الشريعة وأدلتها. وقد بيّن ابن باز رحمه الله أن الاجتهاد باقٍ لأهل العلم، وأن المنع إنما يتعلق بمن لا يملك العلم الذي يؤهله له. binbaz.org.sa
سابعًا: واجب المسلم تجاه اختلاف المجتهدين
على المسلم أن يسأل أهل العلم الموثوقين في علمهم ودينهم، وأن يقصد معرفة الحق والعمل به، دون أن يجعل اختلاف العلماء وسيلة لاختيار ما يوافق هواه دائمًا.
كما ينبغي التفريق بين احترام العالم وقبول جميع أقواله؛ فيُحفظ له قدره، ويُعرف فضله، مع إمكان بيان خطئه بالدليل والأدب. فالاجتهاد المعتبر لا يمنح صاحبه العصمة، كما أن وقوعه في خطأ لا يهدم علمه وفضله.
إن الاجتهاد أمانة علمية، مدارها بذل الوسع في معرفة حكم الله، والتجرد في طلب الحق، والوقوف عند حدود العلم. ومن كمال فقه العالم أن يعرف موضع قدرته، وأن يتوقف فيما لم يتبين له، وأن يرجع عن قوله إذا ظهر له الدليل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *