الأسرة
نصي

هل تسقط نفقة الابنة لإقامتها مع أمها في بلدٍ غير بلد أبيها؟ (الأردن)

23 أكتوبر، 2026 · الشيخ الدكتور حسان سليم بليدي · وقت القراءة: دقيقة واحدة
السؤال

أريد الاستفسار عن مسألة النفقة والحضانة في حال انفصال الوالدين: والداي منفصلان منذ حوالي 19 سنة، ومنذ الانفصال وأنا أعيش في الأردن مع والدتي، وهي التي قامت بتربيتي ورعايتي، بينما والدي مقيم في إيرلندا. لم يوفر والدي مسكناً لنا في إيرلندا، ووالدتي لا تعمل هناك. والدي يرى أن بقاء والدتي معي في الأردن يُسقط حضانتها شرعاً، وأنه بسبب عدم إقامتي معه في إيرلندا لا تجب عليه نفقتي، ويقول إن نفقته عليّ لا تجب إلا إذا كنت في حضانته أو أعيش معه في إيرلندا. كما يرى أن النفقة التي دُفعت لي سابقاً لا تجب عليه شرعاً لهذا السبب. مع العلم أنه يزور الأردن كل صيف، وأحياناً في الشتاء، وأراه خلال زياراته، ولم يكن غائباً عني تماماً. فما الحكم الشرعي في هذه الحالة: ١. هل مجرد إقامة الأم مع ابنتها في بلد غير البلد الذي يقيم فيه الأب يُسقط حضانتها شرعاً، علماً بأن الأب لم يوفر مسكناً مناسباً لهما في بلد إقامته؟ ٢. إذا كانت حضانة الأم قد سقطت فعلاً، فهل يترتب على ذلك سقوط نفقة الأب على ابنته؟ ٣. هل نفقة الأب على ابنته مرتبطة بكونها في حضانته أو إقامتها معه، أم تبقى واجبة عليه ولو كانت مقيمة مع أمها؟ ٤. وهل يختلف الحكم إذا كانت الابنة بالغة وتدرس في الجامعة؟ أرجو بيان الحكم الشرعي في هذه الحالة بالتفصيل، وخصوصاً العلاقة بين سقوط الحضانة -إن كانت قد سقطت- وبين وجوب النفقة على الابنة.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

نفقة الابنة حقٌّ مستقل عن حق الحضانة؛ فلا تسقط لمجرد إقامتها مع أمها في بلدٍ آخر، ولا يترتب على سقوط حضانة الأم — إن ثبت — سقوط نفقة ابنتها تلقائيًّا. ولذلك، فقول والدك: «لا تجب نفقتك إلا إذا كنتِ في حضانتي أو مقيمة معي في إيرلندا» ليس قاعدةً شرعيةً صحيحةً بإطلاق.

والتفصيل في أسئلتك كما يأتي:

١. هل اختلاف بلد الإقامة يُسقط حضانة الأم؟

لا يمكن الحكم بسقوط حضانة والدتك لمجرد أنها تقيم معك في الأردن، بينما يقيم والدك في إيرلندا. فقد اختلف الفقهاء في أثر سفر أحد الأبوين وإقامته ببلد آخر، وراعوا أمورًا منها: سبب الانتقال، وأمن البلد والطريق، وحقوق الوالد الآخر، ومصلحة المحضون.

ولا يتضح من السؤال: هل انتقلت الأم بك بعد الانفصال، أم بقيتما في بلد إقامتكما ثم سافر الأب؟ وهل كانت الإقامة بموافقته أو بحكم قضائي؟ وهذه تفاصيل مؤثرة. كما أن عدم توفير مسكن مناسب والرعاية اللازمة في البلد الآخر يدخل في تقدير المصلحة، ولا يصح تجاهله. انظري: ابن قدامة، المغني، كتاب النفقات، فصل سفر أحد الأبوين؛ 

٢. إذا سقطت حضانة الأم، فهل تسقط نفقة الابنة؟

لا يلزم ذلك؛ لأن الحضانة تتعلق بمن يتولى رعاية البنت، والنفقة تتعلق بتوفير حاجاتها. وقد ينتقل استحقاق الحضانة من شخص إلى آخر، وتبقى نفقة البنت واجبة على أبيها عند تحقق شروطها.

ولا يصح أن تُحمَّل البنت تبعة نزاع والديها، أو أن تُحرم من حاجاتها الضرورية للضغط على أمها. 

«نفقة الأولاد إذا كانوا في حضانة أمهم» وجوب نفقة البنات المحتاجات على الأب القادر، سواء كن عنده أم عند أمهن أم غيرها.

٣. هل يشترط للنفقة أن تعيشي معه؟

الأصل أن نفقة الابنة المحتاجة التي لا مال لها يكفيها تجب على أبيها القادر، ولا تُشترط لذلك إقامتها في بيته.

فعن عائشة رضي الله عنها، أن هند بنت عتبة شكت إلى النبي ﷺ أن أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فقال:

«خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».

متفق عليه: رواه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).

فالحديث أصلٌ في استحقاق الولد نفقته بالمعروف. وتشمل النفقة ما تحتاج إليه الابنة من طعام وكسوة وسكن وسائر الحاجات المعتبرة، بحسب حالها وقدرة أبيها. ولا يلزم من ذلك وجوب نفقة مستقلة للأم المطلقة؛ فحقوق الأم الشخصية وأجرة الحضانة ومسكن المحضون مسائل لها تفصيلها.

وأما مطالبة الأب ابنته بالانتقال إليه في إيرلندا، فلا يكفي فيها توفير المسكن والطعام؛ بل تُراعى سلامتها وأمنها على دينها أيضًا. فإذا كان انتقالها يُعرِّضها لخطرٍ معتبر على دينها أو نفسها، كمنعها من أداء الفرائض أو إلزامها بالمحرّمات، فلها الامتناع، ولا تجب طاعته فيما يضرّ بدينها. قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». متفق عليه، من حديث عليٍّ رضي الله عنه.

وقد بيّن الشيخ ابن باز رحمه الله أن من لا يستطيع إظهار دينه، أو يُجبر على المعاصي، لا تجوز له الإقامة في تلك الحال، وأن طاعة الوالدين تكون في المعروف. انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٨/٢٧٨).

 فإذا ثبت أن رفضها مبنيٌّ على خوف معتبر، فلا يصح اعتباره وحده مسوّغًا لحرمانها من النفقة الواجبة، ما دامت شروط استحقاقها متحققة. وعند النزاع، تُعرض هذه التفاصيل على الجهة الشرعية المختصة؛ فحقها في النفقة لا يتحول إلى وسيلة لإلزامها بإقامة تضرّ بدينها أو سلامتها.

٤. هل يختلف الحكم بالبلوغ والدراسة الجامعية؟

مجرد البلوغ لا يُسقط نفقة البنت تلقائيًّا. فالبنت غير المتزوجة التي لا تملك مالًا أو دخلًا يكفيها تبقى نفقتها على أبيها القادر عند طائفة واسعة من الفقهاء، مع اختلافهم في بعض الشروط المتعلقة بالكسب وغيره.

أما مصاريف الجامعة فتُقدَّر بحسب التعليم المناسب، والحاجة، والعرف، وقدرة الأب، والمنح أو الموارد المتاحة؛ فلا تُساوى كل النفقات الدراسية مهما بلغت بالنفقة الضرورية. والبلوغ يؤثر أيضًا في أحكام الحضانة والإقامة، فلا تُطبَّق أحكام الطفلة الصغيرة على الشابة البالغة دون تفصيل.

وأما ما دفعه والدك سابقًا: فلا يصير مالًا غير مستحق لمجرد أنك كنتِ مقيمة مع أمك. فإذا دفع نفقةً واجبة عليكِ، فقد أدّى حقًّا، وليس له تحويله بعد ذلك إلى دين عليكِ بسبب الخلاف على الحضانة.

وبناءً على ما ذكرتِ، لا يظهر مسوّغ لإسقاط نفقتك بمجرد إقامتك في الأردن. وعند استمرار النزاع، اعرضوا الوثائق وأحكام الحضانة والنفقة السابقة على المحكمة الشرعية المختصة في الأردن لتحديد الاستحقاق والمقدار، مع المحافظة على برّ والدك وحسن مخاطبته؛ فالمطالبة بالحق بأدب ليست عقوقًا.

والله أعلم.

تواصل مباشر

هل لديك سؤال مشابه؟

أرسل سؤالك الشرعي للشيخ الدكتور حسان سليم بليدي وسيتم الرد عليه بعلم وأمانة وفق منهج أهل السنة والجماعة، مجاناً وبلا مقابل.